إخوان الصفاء

182

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

إنه هو الجسد الذي ترى المحسوس المؤلّف من اللحم والدم والعظام والعصب وما شاكلها ، المبنيّ كأنه منارة رهبان ، إذا وقع لا يمكنه أن يقوم ، وإن ترك فلا يمكنه أن يتحرك ، وإذا نام لا يحسب أنه موجود ، وإن انتبه فلا يدري أين كان ، فجائز في العقل أن من هذا حاله يستحق أن يسأل عن خفيات الأمور مع المحسوسات والمعقولات ، وما غاب عن الحواس بالمكان ، وما مضى من كونه مع الزمان ، وما يكون في المستقبل من الكائنات ، أو يستأهل أن يسمع منه قوله إذا أخبر عن تركيب الأفلاك ونظامها ، وأقسام البروج وأوصافها ، وحركات الكواكب ومجاريها ، وعن أركان الأمهات وطبائعها ، واختلاف جواهر المعادن وخواصها ، وفنون أشكال النبات ومنافعها ، وعجائب هياكل الحيوانات واختلاف أخلاقها وأصواتها ؟ فيا عجبا ممن يظن أن هذه الأشياء كلها يعلمها هذا الجسد الجاهل المؤلف ! أو يرى أن المخبر عن هذه الأشياء هذا الجسم الطويل العريض العميق الأعمى الأصمّ الأخرس الذي لا يحس ذاته ، ولا يشعر بوجود نفسه ! فكيف يجوز أن يعلم هذه الأشياء العجيبة النائية عن ذاته الغائبة عن حواسه ، وهو لا يعلم ذاته ولا يحس بوجود نفسه ؟ هيهات ! بعد عن الصواب من ظن أن هذه العلوم يعلمها هذا الجسد المؤلف من اللحم المستحيل الفاسد . واعلم أيها الأخ أن الإنسان الباحث عن أمر النفس ، الطالب معرفة جوهرها ، لو أنه أنصف عقله ورجع إلى حكمه ، وقبل قضاياه ، وفكّر في نفسه ، وتأمل بتميزه ، وتصفح حالات جسده من القيام والقعود والحركة والسكون والنوم واليقظة والحياة والممات ، لاستبان له أن مع هذا الجسد جوهرا آخر هو أشرف منه ، وأن هذا الجسد بالنسبة إليه ما هو إلّا كدار مبنية فيها ساكن ، أو كدكان فيه صانع ، أو كسفينة فيها ملّاح ، أو كدابة عليها راكب ، أو كقميص ملبوس ، أو كلوح في يد صبي في المكتب ، أو كمدينة فيها ملك .